فخر الدين الرازي

56

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قال : فِي دارِهِمْ فنقول المراد من الدار هو الديار ، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع ، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الالتباس ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة ، وهي أن الرجفة هائلة في نفسها فلم يحتج إلى مهول ، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم لأمرها ، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث عمت الأرض والجو ، والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن الدار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة ، فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ ( 39 ) ثم قال تعالى : وَعاداً وَثَمُودَ أي وأهلكنا عادا وثمود لأن قوله تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ دل على الإهلاك وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ الأمر وما تعتبرون منه ، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فقوله : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ يعني عبادتهم لغير اللّه و فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يعني عبادة اللّه وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل . ثم قال تعالى : وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ عطفا عليهم أي : وأهلكنا قارون وفرعون وهامان . ثم قال تعالى : وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ كما قال في عاد وثمود : وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي بالرسل ، ثم قال تعالى : فَاسْتَكْبَرُوا أي عن عبادة اللّه وقوله : فِي الْأَرْضِ إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم ، وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين ، ومن في السماء أقواهم ، ثم إن من في السماء لا يستكبر على اللّه وعن عبادته ، فكيف [ يستكبر ] من في الأرض . ثم قال تعالى : وَما كانُوا سابِقِينَ أي ما كانوا يفوتون اللّه لأنا بينا في قوله تعالى : وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ [ العنكبوت : 22 ] أن المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة اللّه . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 40 ] فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 ) ذكر اللّه أربعة أشياء العذاب بالحاصب ، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر ، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج ، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب بالخسف وهو الغمر في